أحب التصوير لسبب بسيط: تجميد الزمن، أكثر ما يرعبني في الزمن أنه يمضي، يقول المثل أن اللحظة التي تبدأ في إدراكها هي لحظة مضت بالفعل، نسابق نهرًا لا ندري أين منبعه ومصبّه، نحن في الأسبوع الأخير للسنة الجديدة، أتذكر بوضوح ليلة رأس السنة، الألعاب النارية وظلّها المعكوس على جبال القرية، تصفيق الجموع، فرحة عارمة ببداية جديدة ربما تكون مشابهة تمامًا لسابقها لكنها جديدة وهذا هو المهم، تمنيت بصدق أن ترافقي كاميرتي لمدة أطول هذا العام، تمنيت صورًا أكثر ووقتًا أطول في عمليات المنتجة، التصوير يمنحني وقتًا إضافيًا في العالم، حتى تختفي آخر صورة صورتها من أرشيف العالم -وعلى أمل أن يكون ذلك بعد وقت طويل من ترجّلي عن ركب الحياة- عندها يمكنني القول أنني نُسيت كأن لم أكن على ما قال محمود درويش، للكتابة التأثير ذاته ربما لذلك أمارس الفِعلين لعل وعسى يبقى الأثر لفترة أطول بقليل.
في لحظة من لحظات الاسترجال الانترنتية اخبرت أصحابي أنني أودّ كتابة سلسلة تدوينات عن صور لا يمكنني نسيانها، أصرّت ندايّة كالعادة على أن أكتب لذلك أجلس الآن أمام حاسبي المحمول وأكتب كما لو كان مسدسها على رأسي، أمضيت ليالي طويلة وأنا أتأمل صورًا بعينها، أكبّرها، أنظر للتفاصيل، أشقّ الحاجز الذي يفصلني عن المشهد وأقفز للداخل، أكاد أشتم رائحة المكان، أسمع الأصوات، وربما استطعت وضعت يدي على كتف أحد المتواجدين في ذاك الإطار الزمني، للصورة القدرة على عصف روحي كما تفعل قصيدة صادقة، لذلك أبكي أحيانًا حين يمتدح أحدهم صوري بأنها “حيّة”، نجحت، ما دامت الصورة حيّة فستعيش و تتخطاني وربما تتخطى عمر سلالتي.

الصورة التي أشعلت رغبتي في الكتابة هي صورة ظهرت أمامي مرات عديدة خلال سنواتي في الانترنت و تويتر بالخصوص، للصورة صخب عالٍ، ميدان التحرير في ٢٠١١ بكل التاريخ الطويل الذي يجرّه في الأسفل، خيام الثوار، ربما لم يرجع معظمهم لبيوتهم بل ناموا في إحدى هذه الخيام، صريخ عالٍ بهتافات وشعارات بعد تنحي الرئيس، لم أستطع في البدء تحديد تاريخ الصورة هل كانت قبل أم بعد التنحي ولكن وجوه الجالسين بشراحتها رغم التعب تخبرني أنهم كانوا يعرفون أنه تنحى للأبد، حاولت البحث عن المصور، توقعت قراءة مقالات كثيرة عن مكان الصورة، عن الجالسين، عن التوقيت و الحشود التي تتماهى في الظلام مع المباني والأفق البنفسجي، في المرآة التي تعكس المصوّر يظهر شاب يبدو مصريًا من هيئته، لا أعلم إن كان هو المصور، تقول مواقع الانترنت أن هناك مصور كندي من أصل تايواني يدعى إِد أُو هو من ألتقط هذه الصورة، يصور إِد في مناطق النزاع في الشرق الأوسط و أفريقيا منذ ٢٠٠٦، يقول في مقابلة له مع نيويورك تايمز بعنوان الدخول إلى حواري القاهرة أنه عندما سمع بخبر الثورة حجز طائرة في اليوم ذاته للقاهرة ووصل مباشرة في اليوم التالي بعد صلاة الجمعة ولأن الاتصالات كانت مقطوعة فقد هام وحيدًا على وجهه في شوارع القاهرة يركض مع الراكضين ويستريح بالكاد ليعيد ترتيب أدواته ثم ينطلق مباشرة بعدها، تلاقى بالصدفة مع مصورين يعرفهم مسبقًا ولكنه فضّل الدخول للحواري والتصوير في أماكن لا يصلها مصورون آخرون بحثًا عن لقطة مختلفة، يقول إِد “أن لكل مصور قصة يريد أن يرويها، كان بإمكاني البقاء في أماكن تجمع المصورين فاجتماعهم يشعرك بالأمان وأنك موجود في المكان الصحيح وربما يصرخ عليك محرروك لو لم تكن هناك و تأخذ نفس الصورة”، حين أمسك بكامرتي لأصور تصيبني رهبة قريبة من هذه، أريد تصوير ظلال الشجرة على الأرض لكن كل من حولي يسعون للقطة مميزة للشجرة ذاتها، أحب اللقطتين لكن لدي لحظات قصيرة لاتخاذ القرار، أسافر مع عائلة تكره التوقف لأي سبب لذلك أعتبر نفسي أشد انشغالًا ورهبة من مصوري الحروب، اذا توقفت لاتقاط صورة ربما لا ألتقي مع عائلتي أبدًا بعدها، يحتم هذا على تصويري أن يكون سريعًا وأن تكون الكاميرا دائمًا في وضعية التصوير وبإعدادات مناسبة، أحمل معي بطاريات مشحونة إضافية في جيبي على الدوام ولا أكاد أغمد كاميرتي في كنانتها أبدًا بل لم يكن لها كنانة أصلًا وكنت أتنقل مع كاميرتي عارية وحدها.
بناءً على بحثي فإن إِد بالفعل هو مصور هذه الصورة، تصفحت أرشيفه في موقعه الخاص به ووجدتها بين عشرات الصور هناك، له يد سحرية استطاعت ضبط الإضاءة بحيث يمكنك أن ترى الجالسين بوضوح ولا تزعجك إضاءة البلكونة الساطعة للدرجة التي تمنعك رؤية الشارع والبشر من تحتها، أتمنى أن تقوموا بالتركيز مستقبلًا على ندرة الصور التي تجمع أفقًا بنفسجيًا و إضاءة صناعية صفراء في صورة واحدة بلا إزعاج، غالبًا ما يزعجني جدًا اجتماع هذان اللونان لذلك أقوم بتحرير لون الإضاءات الاصطناعية في برنامج lightroom ولكن للعجب فإن الإضاءات الصفراء هنا أعطت جوًا قديمًا و أثيرًا للمشهد، أعيد النظر مرةً أخرى للصورة و أنا أكتب فأنتبه أن هناك وحدة تكييف فوق الجالسين، ربما يكون مكان التصوير في الصالة ولا توجد بلكونة من الأساس، شباك صالة الجلوس مفتوح والمصور يقف وظهره للقسم الأيسر من غطاء النافذة الخشبي و تيييييك يلتقط الصورة، على أي حال يبدو المكان ضيقًا جدًا أو أن عدد المتواجدين كبير لدرجة تجعل بعضهم يجلس على الأرض وهو أمر منطقي لأن كل من كان لهم أقارب يقطنون عند الميدان كانوا يقضون أوقات راحتهم في مساكن أقاربهم شفقةً من مغادرة الميدان، للصورة الصحيحة قدرة رهيبة على تقديم معلومات عن الحقبة والظروف التي التقطت فيها، ألم أخبركم أن الصورة قصيدة حيًّة!
عايدة الأيوبي لها أغنية صدرت بعد ثمانية أيام من تاريخ التقاط الصورة و كلما رأيتها صدحت في عقلي “ساعات بخاف تبقي ذكرى، نبعد عنك تموت الفكرة، نرجع تاني ننسى الي فات، نحكي عنك في الحكايات”، غنّتها في الثورة و الميدان بالأخص لكنني أجدها تجسيد مخاوفنا الإنسانية اتجاه الزمن و الحياة، نخاف أن تبقى لحظاتنا الحلوة ذكرى ولا طاقة لنا للحكايات على كَبر لذلك الصورة مهمة، يكفي حفيدي أن ينظر لصورة التقتطها فيفهم شعوري وقتها، أرجو ذلك بصدق.
بسبب هذه الصورة تعرفت على إِد أُو و بكل دهشة ابحرت في أرشيفه المليء بيوميات مأساوية لنا في شرقنا الأوسط الذي لا يهدأ، مع ذلك استطاع التقاط صور ربما تكون موضوعًا مستقلًا في تدوينة قادمة لا أدري متى يصل لي إلهامها، في الأسفل بعض الصور المبهرة من أرشيف مهمة تصويره في مصر ٢٠١١.
*يمكنكم الضغط على كل صورة و مشاهدتها بوضوح أكثر بدون تعليق المصور.




































