صورة: كي لا نبعد وتموت الفكرة

أحب التصوير لسبب بسيط: تجميد الزمن، أكثر ما يرعبني في الزمن أنه يمضي، يقول المثل أن اللحظة التي تبدأ في إدراكها هي لحظة مضت بالفعل، نسابق نهرًا لا ندري أين منبعه ومصبّه، نحن في الأسبوع الأخير للسنة الجديدة، أتذكر بوضوح ليلة رأس السنة، الألعاب النارية وظلّها المعكوس على جبال القرية، تصفيق الجموع، فرحة عارمة ببداية جديدة ربما تكون مشابهة تمامًا لسابقها لكنها جديدة وهذا هو المهم، تمنيت بصدق أن ترافقي كاميرتي لمدة أطول هذا العام، تمنيت صورًا أكثر ووقتًا أطول في عمليات المنتجة، التصوير يمنحني وقتًا إضافيًا في العالم، حتى تختفي آخر صورة صورتها من أرشيف العالم -وعلى أمل أن يكون ذلك بعد وقت طويل من ترجّلي عن ركب الحياة- عندها يمكنني القول أنني نُسيت كأن لم أكن على ما قال محمود درويش، للكتابة التأثير ذاته ربما لذلك أمارس الفِعلين لعل وعسى يبقى الأثر لفترة أطول بقليل.

في لحظة من لحظات الاسترجال الانترنتية اخبرت أصحابي أنني أودّ كتابة سلسلة تدوينات عن صور لا يمكنني نسيانها، أصرّت ندايّة كالعادة على أن أكتب لذلك أجلس الآن أمام حاسبي المحمول وأكتب كما لو كان مسدسها على رأسي، أمضيت ليالي طويلة وأنا أتأمل صورًا بعينها، أكبّرها، أنظر للتفاصيل، أشقّ الحاجز الذي يفصلني عن المشهد وأقفز للداخل، أكاد أشتم رائحة المكان، أسمع الأصوات، وربما استطعت وضعت يدي على كتف أحد المتواجدين في ذاك الإطار الزمني، للصورة القدرة على عصف روحي كما تفعل قصيدة صادقة، لذلك أبكي أحيانًا حين يمتدح أحدهم صوري بأنها “حيّة”، نجحت، ما دامت الصورة حيّة فستعيش و تتخطاني وربما تتخطى عمر سلالتي.

CAIRO, EGYPT – NOVEMBER 21 Activists look out from the balcony of an apartment overlooking Tahrir Square in Cairo, Egypt Nov. 21, 2011. Mass protests exploded in Tahrir square after the authorities moved to evict protesters who had encamped themselves in the square the night before. Thousands converged into the square, sparking a battle that is continuing into its fourth day. ( تعليق المصور)

الصورة التي أشعلت رغبتي في الكتابة هي صورة ظهرت أمامي مرات عديدة خلال سنواتي في الانترنت و تويتر بالخصوص، للصورة صخب عالٍ، ميدان التحرير في ٢٠١١ بكل التاريخ الطويل الذي يجرّه في الأسفل، خيام الثوار، ربما لم يرجع معظمهم لبيوتهم بل ناموا في إحدى هذه الخيام، صريخ عالٍ بهتافات وشعارات بعد تنحي الرئيس، لم أستطع في البدء تحديد تاريخ الصورة هل كانت قبل أم بعد التنحي ولكن وجوه الجالسين بشراحتها رغم التعب تخبرني أنهم كانوا يعرفون أنه تنحى للأبد، حاولت البحث عن المصور، توقعت قراءة مقالات كثيرة عن مكان الصورة، عن الجالسين، عن التوقيت و الحشود التي تتماهى في الظلام مع المباني والأفق البنفسجي، في المرآة التي تعكس المصوّر يظهر شاب يبدو مصريًا من هيئته، لا أعلم إن كان هو المصور، تقول مواقع الانترنت أن هناك مصور كندي من أصل تايواني يدعى إِد أُو هو من ألتقط هذه الصورة، يصور إِد في مناطق النزاع في الشرق الأوسط و أفريقيا منذ ٢٠٠٦، يقول في مقابلة له مع نيويورك تايمز بعنوان الدخول إلى حواري القاهرة أنه عندما سمع بخبر الثورة حجز طائرة في اليوم ذاته للقاهرة ووصل مباشرة في اليوم التالي بعد صلاة الجمعة ولأن الاتصالات كانت مقطوعة فقد هام وحيدًا على وجهه في شوارع القاهرة يركض مع الراكضين ويستريح بالكاد ليعيد ترتيب أدواته ثم ينطلق مباشرة بعدها، تلاقى بالصدفة مع مصورين يعرفهم مسبقًا ولكنه فضّل الدخول للحواري والتصوير في أماكن لا يصلها مصورون آخرون بحثًا عن لقطة مختلفة، يقول إِد “أن لكل مصور قصة يريد أن يرويها، كان بإمكاني البقاء في أماكن تجمع المصورين فاجتماعهم يشعرك بالأمان وأنك موجود في المكان الصحيح وربما يصرخ عليك محرروك لو لم تكن هناك و تأخذ نفس الصورة”، حين أمسك بكامرتي لأصور تصيبني رهبة قريبة من هذه، أريد تصوير ظلال الشجرة على الأرض لكن كل من حولي يسعون للقطة مميزة للشجرة ذاتها، أحب اللقطتين لكن لدي لحظات قصيرة لاتخاذ القرار، أسافر مع عائلة تكره التوقف لأي سبب لذلك أعتبر نفسي أشد انشغالًا ورهبة من مصوري الحروب، اذا توقفت لاتقاط صورة ربما لا ألتقي مع عائلتي أبدًا بعدها، يحتم هذا على تصويري أن يكون سريعًا وأن تكون الكاميرا دائمًا في وضعية التصوير وبإعدادات مناسبة، أحمل معي بطاريات مشحونة إضافية في جيبي على الدوام ولا أكاد أغمد كاميرتي في كنانتها أبدًا بل لم يكن لها كنانة أصلًا وكنت أتنقل مع كاميرتي عارية وحدها.

بناءً على بحثي فإن إِد بالفعل هو مصور هذه الصورة، تصفحت أرشيفه في موقعه الخاص به ووجدتها بين عشرات الصور هناك، له يد سحرية استطاعت ضبط الإضاءة بحيث يمكنك أن ترى الجالسين بوضوح ولا تزعجك إضاءة البلكونة الساطعة للدرجة التي تمنعك رؤية الشارع والبشر من تحتها، أتمنى أن تقوموا بالتركيز مستقبلًا على ندرة الصور التي تجمع أفقًا بنفسجيًا و إضاءة صناعية صفراء في صورة واحدة بلا إزعاج، غالبًا ما يزعجني جدًا اجتماع هذان اللونان لذلك أقوم بتحرير لون الإضاءات الاصطناعية في برنامج lightroom ولكن للعجب فإن الإضاءات الصفراء هنا أعطت جوًا قديمًا و أثيرًا للمشهد، أعيد النظر مرةً أخرى للصورة و أنا أكتب فأنتبه أن هناك وحدة تكييف فوق الجالسين، ربما يكون مكان التصوير في الصالة ولا توجد بلكونة من الأساس، شباك صالة الجلوس مفتوح والمصور يقف وظهره للقسم الأيسر من غطاء النافذة الخشبي و تيييييك يلتقط الصورة، على أي حال يبدو المكان ضيقًا جدًا أو أن عدد المتواجدين كبير لدرجة تجعل بعضهم يجلس على الأرض وهو أمر منطقي لأن كل من كان لهم أقارب يقطنون عند الميدان كانوا يقضون أوقات راحتهم في مساكن أقاربهم شفقةً من مغادرة الميدان، للصورة الصحيحة قدرة رهيبة على تقديم معلومات عن الحقبة والظروف التي التقطت فيها، ألم أخبركم أن الصورة قصيدة حيًّة!

عايدة الأيوبي لها أغنية صدرت بعد ثمانية أيام من تاريخ التقاط الصورة و كلما رأيتها صدحت في عقلي “ساعات بخاف تبقي ذكرى، نبعد عنك تموت الفكرة، نرجع تاني ننسى الي فات، نحكي عنك في الحكايات”، غنّتها في الثورة و الميدان بالأخص لكنني أجدها تجسيد مخاوفنا الإنسانية اتجاه الزمن و الحياة، نخاف أن تبقى لحظاتنا الحلوة ذكرى ولا طاقة لنا للحكايات على كَبر لذلك الصورة مهمة، يكفي حفيدي أن ينظر لصورة التقتطها فيفهم شعوري وقتها، أرجو ذلك بصدق.

بسبب هذه الصورة تعرفت على إِد أُو و بكل دهشة ابحرت في أرشيفه المليء بيوميات مأساوية لنا في شرقنا الأوسط الذي لا يهدأ، مع ذلك استطاع التقاط صور ربما تكون موضوعًا مستقلًا في تدوينة قادمة لا أدري متى يصل لي إلهامها، في الأسفل بعض الصور المبهرة من أرشيف مهمة تصويره في مصر ٢٠١١.

*يمكنكم الضغط على كل صورة و مشاهدتها بوضوح أكثر بدون تعليق المصور.

أصحاب لم نتركهم عن عمد

لي عادة منذ تخرجي من الجامعة وهي السهر في المطبخ حتى الفجر، منذ طفولتي وأنا مهووسة بفكرة الطاولة في المطبخ لأننا لم نملك واحدة قط في بيتنا القديم، كنت أحب تناول الوجبات في بيت خالتي لأنهم يأكلون كأسرة على طاولة في المطبخ بينما نأكل في بيتنا على أرضية صالة التلفاز، لذلك أقضي معظم ليالي السنة في مطبخنا الجديد ذو الطاولة الرخامية الكبيرة، أحب إعداد وجبة عشاء متأخرة كل ليلة غالبًا ما تكون عبارة عن باذنجان مشوي بزيت الزيتون و الكثير الكثير من البهارات، و في كل ليلة أختار شيئًا لسماعه وأنا أطبخ، فتحت تطبيق راديو ثمانية وتعرفت بالصدفة على برنامج “امشِ مع“، وهو بودكاست ذو فكرة ذكية و بسيطة، يمشي الضيوف طوال الحلقة و يتحدثون كأنما يحادثونك أنت، لا تسمع صوت المضيف أبدًا ولا تعلم ما هي أسئلته وهل يرتجل الضيف الحلقة بأكملها أم أن هناك أسئلة لمضيف لا يمكننا التأكد من وجوده، الحلقة كانت مع عبداللطيف يوسف الشاعر والمهندس السعودي الذي لا يعلم أنني جلست معه على طاولة واحدة قبل خمس سنوات.

في سنتي الثالثة في الجامعة تعرفت على مريم حمود الأرقّ من أن تكون إنسانًا و الأكمل من أن تكون قصيدة، كنت وقتها في مرحلة حرجة من دراستي الجامعية و قد جُرح كبريائي حتى ما عدت أصدق أنني أنا أنا هي ذاتها التي تفوقت في الثانوية، جرحتني الهندسة و لازلت لم أُشف بعد منها، عرفت مريم من تويتر ثم إلتقينا بإصرار منها للإنضمام في نادي قلم جامعي المتخصص في الكتابات الأدبية لطلبة الجامعة إناثًا و ذكورًا، بعدها توالت اللقاءات حتى جاء اليوم الذي أبلغتني فيه أن أحد شعرائي المفضلين سيزورنا في الجامعة قريبًا، لم أصدق أنها تتحدث عن عبداللطيف هذا الذي أزعجت العالم بقصيدته: ” طير أنا .. سقطت سمائي كلها.. لا شيء من هذا بنومك أفزعك؟” و لتعلموا أن الهندسة قد استكثرت عليَّ فرحتي بهذه الأمسية فقد حدد دكتور مادة dynamics -أو ما تسمى بمادة علم الحركة وهي أصعب مواد التخصص- امتحانها مساءً في ذات الساعة التي تبدأ فيها الأمسية، عندما علمت بتضارب الأوقات يأست من رؤيته وقلت لا حول ولا قوة الا بالله هذا نصيبنا في الدنيا والحمد لله، أخبرتني مريم أنه سيكون هناك عشاء للشاعر والضيوف من خارج الجامعة والمنسقين خلف المسرح بعد انتهاء الأمسية وأنني لو انهيت امتحاني وركضت بكل قوتي ربما يسعفني حظي أن أراه وأستمع لقليل من شعره.

أتذكر أنني كنت أراجع قبل الامتحان ويكاد يغمى عليَّ من قلة النوم والحماس، استلمت ورقة الامتحان وانغمست في الحل حتى قارب الوقت على الانتهاء، سلمت الورقة وسلمت معها كل قلقي فيما يخص الدراسة ثم ركضت بأقصى طاقتي حتى بلغت مسرح الجامعة، هاتفت مريم لتخرج لي حتى لا أدخل عليهم فجأة لوحدي وكنت أرجف خوفًا و خجلًا في حضرة اربعين شخصًا لم أعرف أحدًا منها سوى مريم، كان يجلس على طاولة دائرية كبيرة ويلتف حوله الذكور ثم في دائرة أبعد تجلس الإناث كلنا نداري خجلًا من حضرته، كان رقيقًا كثير الضحك وله سحر خاص في جذب انتباه الجميع لحديثه، لم أكن أعلم أنه درس ومارس الهندسة وقتها ففوجئت بفكرة أن يخرج شاعر من كل تلك المعادلات الصعبة الطويلة وأحسست بذلك انتصارًا على عالم الأرقام وأملًا بأنني قد أخرج يومًا ما أيضًا.

الحرية كما تخيلتها متمثلةً في الهرب من الدراسة

في البودكاست تحدث عبداللطيف عن ذكرياته في الجامعة حين عاد بعد السنة الأولى فوجد قسمًا كبيرًا من أصدقائه قد انتسبوا لبرنامج الإبتعاث بينما رفض هو العرض ذاته، يقول أنه جلس وقتها طويلًا في غرفته في السكن الجامعي في صدمة اكتشف معها لأول مرة شعور الوحدة في مكان بعيد عن المنزل، أتذكر هذا الشعور حين اختبرناه أنا والروميت (شريكة الغرفة) في أول أسبوع في السكن حين تعرفنا على فطوم وكانت الروميت تعرفها مسبقًا عبر تويتر، تحادثنا طويلًا، زارتنا في غرفتنا وكانت لها رائحة عجيبة بين مسك وعود لا يمكن نسيانها، استلطفتها جدًا وظننت أنني كسبت صديقًا جديدًا، في يومنا الثالث في السكن عادت الروميت للغرفة مشدوهة قد خطفت الصدمة لونها، أخبرتني أنها تلاقت مع فطوم بالصدفة في مبنى الاستقبال و قد لبست عباءتها و معها والدتها كلاهما يبكيان بشدة ففجعت وركضت نحوهما، أخبرتها فطوم أنها لم تُطق حياة السكن والبعد عن والدتها فقررت أن تترك الجامعة وتعود للمنزل، أحتضنت والدتها روميتي وخلعت سوارة ذهب كانت تلبسها وألبستها إياها تعبيرًا صادقًا عن امتنانها لأنها صاحبت ابنتها تلك الثلاثة أيام التي قضتها في السكن، احتفظت الروميت بالسوار في يدها لفترة طويلة بعدها وكلها رأيته تذكرت فطوم وشممت مسكًا وعودًا لا أدري من أين.

تلك كانت تجربتنا الأولى في فراق الأصدقاء في الجامعة ثم توالت الأخبار بعدها بلا انقطاع، فلانة سحبت أوراقها، فلانة طُردت من الجامعة، فلانة خُطبت و تركت الدراسة، وهكذا كنا نفقد أصدقاءً بمعدل شبه أسبوعي، في بداية السنة الأولى تعرفت على ميمي حين التقينا لأول مرة وأنا أحمل شنطتي ولحافي على باب السكن، سلّمت عليّ وعرفت عن نفسها ” اسمي مريم ينادوني ميمي وأنا من الخور” ظننت أنها تقصد منطقة الخور في دبي ففرحت لأنها أول شخص أقابله من دبي، بعد شهور علمت أن بنات الجامعة يختصرون “خور فكان” وهي مدينة ساحلية تتبع الشارقة و يطلقون عليها “الخور”، ضحكنا بشدة لسوء الفهم هذا وبقينا أصحابًا مقربين حدًّا لم أتخيل قبله أنني قد أحب إنسانًا لهذه الدرجة، كنا ننام على سرير واحد و تعتني بي كأم رؤوم، حين كنت أعود مثقلة بالهموم من الجامعة كانت تمسح على رأسي و تلقمني قطعة حلوى جائت بها خصيصًا لي، في بداية سنتنا الثالثة و بعدما تعمقت كل واحدة منا في دراستها هاتفتها بعد أسبوع من بداية الدراسة كي نلتقي ففاجئتني أنها سحبت أوراقها من الجامعة و قررت أن تدرس في كلية قريبة من بيتها، بكيت و شعرت بأن الحياة لم تكن رحيمة قط ولم تترك لنا صديقًا نألفه هاهنا، تزوجت ميمي في بداية كورونا في حفل منزلي لم نحضره، أنجبت طفلها الأول ثم الثاني وأظنها أنجبت ثالثًا أيضًا، لا أدري باعدتنا الحياة حتى عدت لا أدري كم عدد أطفالها، لم أرَ بطنها الكبير لم أعلم كيف تكون ميمي وهي أم حقيقية، لا أدري إن كانت ميمي موجودة أم أنها أم فلان الآن، تخنقني هذه الأفكار، أفكر في عدد الأصدقاء الذي فقدناهم بلا قصد، نسلت أيادينا من بعضها بلا وداع حقيقي، أعطى كل واحد منَّا ظهره للآخر وغادرنا بلا أمل أن تلتقي طرقنا مرةً أخرى، في رعاية الله وحفظه جميع الصحاب الذين لم يعودوا كذلك.

شاي بالنعناع لشخصين

في رحلتي قبل أسبوع للعمرة التقيت بصديقتي التي لا تعلم أنني أسميها في هاتفي ” فرحة الخاطر”، تبادلنا هذه المرة أغلى كتاب في مكتباتنا، أهدتني كتابًا عجيبًا بعنوان ” عمّ نتحدث حين نتحدث عن الصداقة” و هو عنوان ليس بالغريب ، قد كنت قرأت في أيام الجامعة كتابًا لموراكامي بعنوان” what I talk about when I talk about running” و هو على ما أظن عنوان تم اقتباسه من كتاب آخر أقدم، يتحدث فيه موراكامي عن الفترة التي بدأ فيها بقلب روتين حياته ليفتتح بار لموسيقى الجاز و يبدأ بالكتابة كل يوم مع وقت محدد للمشي، كيف غيّرت مشاوير المشي هذه حياته برمّتها، كنت مفتونة بفكرة الركض في الجامعة و قد جاء الكتاب في وقته المناسب، لكنني ظننت أن استعارة عنوان الكتاب بهذه الطريقة التي فعلها بلال علاء في روايته هو بداية كليشيهية جدًا، ظننت أنني قرأت عن الصداقة بما فيه الكفاية و أن لا شيء بقي ليقال في هذا السياق.

بدأت بالقراءة بعد عودتي بيومين و عليّ التنويه على أن القراءة تُصنف من أصعب المهام بالنسبة لي في الوقت الحالي، لقد دمرتني مواقع التواصل و أصابت قدرتي المبهرة على التركيز في مقتل، هذا العقل الذي كان قادرًا على الاستماع لبودكاست و حل مسائل هندسية و الانتباه على طبخة في القدر في الآن ذاته قد غدى في أذلّ حالاته وهو يقطّع كتابًا من ١٦٠ صفحة لأسبوع و أكثر، لازلت لم أنتهي من الكتاب لكنني أقف تحية إجلال و تقدير لبلال علاء على هذا السرد المبهر، يضعك بلال فجأة في عالم الراوي الذي لا يخبرك باسمه و ينقلك بلا هوادة بين مونولوج داخلي و ذكريات مع أصدقاءه من مراحل مختلفة و قد يترحم و يحاول شرح شبكة الأصدقاء هذه و كيف تعرف بعضهم على بعض ثم يتوقف فجأة و كأنه ييأس من قدرتك على الربط و للأمانة فيأسه كان في محله، اكتشفت بالصدفة وجود خريطة غير ذهنية في نهاية الكتاب تشرح تشابك علاقات الراوي و ظننتها ربما ستكون متمحورة حوله لكن و للعجب وجدت الراوي في طرفها و لا توجد شخصية محورية على ما يبدو، الكتاب أدخلني في حالة افتقدتها من الاهتمام بقصة أحدهم، أنام و أصحو منذ أيام و أنا أفكر في سعيد و متولي و مجدي و بسمة و لمياء و هبة و أخونا الراوي و غيرهم.

للمصريين المعاصرين قدرة سردية عجيبة، أحب عمرو عزت و كتابه الذي لا أنفكّ أعود لبعض صفحاته ” غرفة 304: كيف اختبأت من أبي العزيز 35 عاماً” سيرة ذاتية حنونة عن الأبوة و النضج و الحياة قبل الثورة في مصر، في صفحتين يحكي قصة أسطورية حين قرأتها للمرة الأولى ضحكت حد الصداع، يحكي عن أيام تديّنه و انضمامه لمعسكرات شبابية تتبع أحد التنظيمات و التي يفترض أن يبقى مكانها سريًا و كيف استطاع والده لرغبته الشديدة في التقرب منه بإبهار أصدقاءه بأن لصديقهم والد حنون رائع، قام بإرسال حلويات و مأكولات شهية لمكان المعسكر السري مما أدى لحالة استنفار في داخل هيئات التنظيم لظنّهم أن مكانهم قد كُشف من قبل المخابرات، تبهرني القصص التي تتداعى بصورة سريعة من حدث بسيط بنوايا حسنة، قرأت مؤخرًا لبلال فضل هذا الإنسان الموسوعي المضحك لكنني وجدته أكثر إمتاعًا وهو يتكلم منه وهو يكتب، و لمصر و المصريين الفضل في حبي لفن التدوين، كتبت دينا الهواري في مدونتها التي اكتشفتها بالصدفة في خبايا الانترنت بطريقة ذكية و بسيطة عن حياتها و ذكرياتها و لكنها توقفت فجأة منذ زمن طويل، كما جمعت رحاب بسام تدويناتها في كتاب لطيف بعنوان “أرز باللبن لشخصين” قرأته منذ زمن طويل ولازلت أفكر في بساطة و روعة هذا العنوان و أعيد اقتباسه و استخدامه طوال الوقت في حياتي اليومية، أحب أن تتغلغل الكتب في حياتي ما استطعت إلي ذلك سبيلا.

مؤخرًا لي مطعم ياباني مفضل أزوره كلما كنت لوحدي و سبب تفضيلي له بعد أطباقه طبعًا هو طريقة عزلهم للطاولات المتلاصقة حيث يغوص البشر جميعهم في ظلام و تُسلط الأنوار فقط على سطح الطاولة، لا يمكنك التدقيق في ملامح الجالسين حولك في الطاولات الملاصقة، آخر ما قد تُسعفك به عيناك هو أن ترى ندميك من يقاسمك السوشي و ينادمك الشاي الأخضر، لذلك أحب أوريقامي و أشكرهم على منحي المساحة المناسبة لتناول الطعام وحيدًا و قراءة الروايات و البكاء و جلسات التأمل بلا مقاطعة و لا نظرات فضولية، يقدم المطعم ألذ شوربة بالنسبة لي و هي شوربة الميسو, حساء دافئ بالتوفو و الأعشاب البحرية له مذاق غريب لا أظنه يشبه أي شيء تذوقته في حياتي، دومًا حين أركن لكرسيي المعتاد في كل فرع أزوره و تمامًا عندما تلامس أول ذرة ميسو لساني تصمت فجأة الأفكار المزعجة في ذهني و أصبح في مزاج مناسب للقراءة أو التأمل أو حتى البكاء الهادئ عندما أصل لفكرة مؤثرة.

أحاول مساعدة نفسي هذه الفترة على ممارسة ما أحب بلا ضغوط، أحب الكتابة و أهوى الكلام عن ما فعلته في يومي لكن توقفني أفكار بغيضة عن قُراء هذه المدونة و إلى أي مدى قد يعجبهم أن أتحدث عن أيامي، نصحتني نداىَّة بالكتابة بلا آراء مسبقة و لأنها بدأت أيضًا بالنشر في مدونتها بشكل أكثف مؤخرًا فزادت حماستي و تأجج شوقي لاستخدام الانترنت كما أحب (الثرثرة)، أشرب حليبًا حضّرته بالكركم و هي وصفة تذوقتها لأول مرة في ميونخ في مقهى يستحق كل الشكر و التقدير فقد اعتشت على الحليب بالكركم لفترة طويلة، أحب أن أنهي يومي بشراب دافئ لأنني اكتشفت بطريقة غير مقصودة في خضم سنوات المراهقة أن معدة دافئة تعني نومًا مريحًا، أتمنى أن تفيدكم هذه المعلومة و أن ينعم كل القلقين بليالي دافئة و نوم عميق.

ثمّ لا يسعك التملّص: كتابة شعثاء عن بلوغ الخامسة والعشرين

مضي العمر وتخف غشاوة الانبهار من العين. يمضي العمر وتفهم ثقل الواجب وطمأنينة المألوف ومُنية العادي وسَنَّة الرفض وكارثية الواقع وواجب الحلم ويقين …

ثمّ لا يسعك التملّص: كتابة شعثاء عن بلوغ الخامسة والعشرين

الخطو بعيدًا عن القرية

أكثر ما يقلقني في الكتابة هو معرفة أنني يجب أن أكتب لعملي، أن ترتبط هوايتك بعملك هو نوع من الجحيم الذي لم يسبق لي تخيّل وجوده، كلما رفعت قلمًا سمعت صراخًا في عقلي ” هذا القلم يجب أن يُرفع للعمل” لذلك أنزله سريعًا و لا أكتب لا للتسلية و لا للعمل، ثلاثة سنوات من الحرمان القصري عن الكتابة بسبب هذه الفكرة المؤذية، اليوم أحقق انتصارًا على عقلي و أكتب بلا شعور بالذنب مع أنني في أسوأ مراحلي في العمل لكنني أدركت أن أحدًا يعاني باستمرار لا يمكنه أن يصنع عملًا متقنًا كما أحب لذلك قررت إنهاء هذه المعاناة و العودة للكتابة أخيرًا.

أقضي جزءًا من أسبوعي في المدينة، ثلاثة أيام أو أقل غالبًا، لثلاثة سنوات كنت أشعر أنني لا يجب أن أترك منزلنا في القرية سوى للطوارئ، لم أكن أطيق أن أرى منزلنا الكبير فارغًا في وسط الاسبوع من الجميع عداي أنا و أمي، يحمل الصغار في كل عائلة شعورهم بالذنب لترك آبائهم و أمهاتهم وحيدين بينما ينطلق الكبار بحماسة في الحياة، بعد ثلاثة سنوات اكتشفت أن لأمي حياة خارج هذا المنزل، لها أم و أخوات و جيران و أصدقاء في المسجد و أصدقاء في المجالس، و لي أنا وحدتي و قلقي من المستقبل و مشهد أصدقائي و هم يغادرون واحدًا تلو الآخر هذه القرية، لذلك كان القرار أخيرًا أن أقضي جزءًا من أسبوعي في المدينة، لطالما كنت مهوسًا بالصخب، تُسكرني فكرة الازدحام و الضجيج و مشاهد الناس و هم يمارسون الحياة، العيش طوال حياتي في القرية ترك ندوبه أخيرًا في روحي لذلك كان يجب أن أغادر أنا الأخرى ولو بشكل جزئي.

الطريق الجبلي الواصل بين المدينة و القرية

لم يتغير الكثير في المدينة، لازلت أقضي معظم وقتي وحيدة، بسبب نظام عملي الذي لا يتطلب سوى وجود هاتفي و حاسبي المحمول معي طوال الوقت فأنا غير مرتبطة بأية ارتباطات عمل فعلية غالبًا، أنهي معظم عملي في فراشي حين استيقظ و أقضي بقية يومي و أنا أفكر في طريقة تطوير هذا العمل و هي سلسلة لانهائية من كلمة “لو” بالمعنى الحرفي للانهائية، في الثلاثة أيام التي أزور فيها المدينة أواظب على حضور مواعيدي الاسبوعية في المشفى و على حصة السباحة، لي قائمة اسبوعية من المهام التي يجب أن أنجزها في المدينة: أمي تريدني أن أحضر عبائتها من الخياط، أختي تريدني أن أحضر سلطة سلطعون حين أعود من إقامتي الاسبوعية هنا، يجب أن لا أنسى شراء مستحضرات التجميل و العناية التي تنقصني هذا الاسبوع، أتأكد من المرور و استلام أدويتي، ابنة عمي تودّ مني أن أستبدل مقاس حذائها، تبقي هذه المشاوير على رغبتي في الحياة أحيانًا، أعني أنني يجب أن لا أختفي عن وجه الحياة هذا الاسبوع و إلّا من سيجلب ملابس أمي أو السلطة لأختي و من سيهتم بأمر حذاء ابنة عمي، لذلك أؤمن أن الإنسان لا يمكنه أن يعيش معزولًا مهما بالغنا في رمسنة الوحدة و الانعزال، يحتاج الجميع لمن يهتم بأمرهم و يقضي حاجاتهم و نحن نتقلب بين أدورانا كمعطين أو مستقبلين لهذه الخدمات.

أشاهد فلمًا واحدًا على الأقل كل أسبوع، بما أنني لا أجد الطاقة للقراءة حاليًا فأستعيض بالأفلام، للتو أنهيت مشاهدة فلم past lives الكوري الأمريكي مع صديقتي، لي أصدقاء معتمدين للمتابعة الجماعية، نتشارك الذوق ذاته في الأفلام و تضحكنا التعليقات ذاتها و يندر أن نشعر بعدم توافق في الآراء اتجاه شخصية معينة في الفلم، نفعلها بأكثر طريقة بدائية، نكون في اتصال صوتي عبر الانترنت و يهتف أحدنا “١ ٢ ٣ يالله!” و يضغط كل واحد منَّا على زر التشغيل في جهازه و نتابع بالمزامنة، تذكرني الطريقة بما قبل اكتشاف الاتصال بالفيديو و مشاركة الشاشات و سيرفرات ديسكورد، لا أدري تعجبني الطريقة الأقدم، استمعنا لبعض أغاني كوهين وسط صمت و تنهيدات، نهاية الفلم كانت منهكة، و في عصرنا يندر أن لا يمرّ المرء بتجربة مماثلة، لا يترك الانترنت للإنسان فرصة النسيان او الاختفاء من ذاكرة غيره إن أراد.

كوهين و أنا و طيف

أستيقظ يوميًا هنا و أفكر في المكان الذي يجب أن أزوره اليوم، أبحث عن صديق، أستميت في البحث عن رفقة و لكنني لا أنجح في الغالب، ترتبط حيوات إخوتي و أصدقائي بأعمالهم، حتى الساعة الخامسة عصرًا يستحيل أن أحظى برفيق، بدأت بالاعتياد و تقبّل الفكرة أخيرًا، أحمل حاسبي و هاتفي و أنطلق بحثًا عن بقعة جيدة لمراقبة الناس و العمل، أنخرط في الصفحات اللانهائية في برنامج الإكسل و أنسى للحظات أن لا رفيق لديّ اليوم، حين أفرغ من عملي أبدأ بمراقبة الجميع من حولي، انتقالي للتصوير الفوتوغرافي بشكله الاحترافي الحالي أثّر كثيرًا على نظرتي للحياة من حولي، أتخيل الواقع لقطات مثالية من وراء العدسة، تسعدني هذه الأفكار أشعر أنني أتغير، أتغير يعني أنني على قيد الحياة، تبعث الصور فيّ رغبة البقاء لأنني أودّ أن أعيش في كل صورة جيدة أصادفها، ألتقط الصور لأن عقلي لا يتسع لكثافة الحياة، تمامًا كما هي الحاجة التي تعتريني للكتابة و التدوين الآن.

المنظر الساحر للقمر، توقفت للتأمل قبل أن أدخل للمنزل أخيرًا و تنتهي رحلتي اليومية في شوارع المدينة

دبي

٥ سبتمبر ٢٠٢٣

دليلك لحفظ خريطة مدينة بعيدة

تتفجر رغبة الكتابة التي أكبحها طوال السنة في السفر، أحاول فحص حياتي اليومية ومعرفة ما الذي يجعل الكتابة شيئًا يمكنني الاستغناء عنه دائمًا سوى في هذه الأيام المعدودة خارج البلاد، أرجح الأمر لعدم وجود مساحة شخصية كافية في السفر، اعتدت أن أقضي معظم أيامي بمفردي و لي غرفتي الخاصة بعدما تزوجت أختي قبل خمسة أعوام لكن السفر يحتم عليّ تشارك الغرفة مع أختي الكبرى و هذا يفرض حجرًا غير مقصود على كل طرق تنفيسي عن مشاعري اليومية، انتهج مبدأ التفريغ اليومي منذ فترة ليست بالقصيرة، قبل النوم أفكر في ما يزعجني و ما أكره، اسمح لنفسي بالغضب و الشتم و البكاء حين تلزم الظروف، ثم أخلد للنوم بأكبر قدر ممكن من الطمأنينة و السلام، لا تفلح الخطة دائمًا أحيانًا أكون أكثر تعبًا من التفرّغ لنفسي فأخلد مباشرة مُراكمةً فوقي أثقالًا يومية ثم أهاتف الأصدقاء حين تنسدّ قناة تصريف المشاعر و أسمح لهم بسحب العالق و مساعدتي على استئناف مسيرتي الحياتية.

صورة من أحد المقاهي المغلفة ليلًا

زيارتي هذه لميونخ ربما تكون الثامنة أو أكثر أو أقلّ توقفت عن العدّ بعد المرة الثالثة سُئلت مرةً عن المدينة التي لا أملّ زيارتها و عرف الجميع ان اجابتي ستكون ميونخ، تعتبر هذه المدينة من المدن القليلة التي تشعرني بالأمان لا يمكنني الشكّ في أي شخص في هذه المدينة الجميع يبدون على قدر رائع من اللطافة، تداخل مبانيها القديمة و الحديثة يجعل المشي في شوارعها المليئة بقدر غير متوقع من التصليحات رحلةً ممتعة دومًا، نسكن منذ سنوات في الفندق ذاته كلما زرنا المدينة حتى أنني صرت أحفظ الوجهات و استخدم الفندق كنقطة مرجعية رغم شهرتي بسوء معرفتي بالخرائط و الاتجاهات، لا يوجد شارعان متشابهان لذا حفظ الأماكن أمر يسهل عليّ هنا أكثر من حفظ الشوارع في مدينتي التي تتشابه في معظمها، أؤمن أن المشي هو الوسيلة المثالية لحفظ الأماكن كما أن النسخ هو الطريقة المثالية لحفظ تهجئة الكلمات بلغة أجنبية، تتهجى الشارع مبنىً مبنىً.

لا أعلم من هو لكنه يبدو رائعًا لسبب مجهول

أحب في ميونخ أكثر ما أحب حديقتها الانجليزية و هي حديقة عامة بلا سياج تقع في منتصف المدينة، ربما تبدو الفكرة عادية لكن لأي درجة يمكن أن يكون عاديًا وجود حديقة ضخمة في وسط المدينة يعبرها نهر ضخم هائج مناسب لرياضة ركوب الأمواج، و مئات الجسور مع ما يقارب السبعين كيلومتر من ممرات المشي، و عشرات الكائنات التي تتكاثر بحريّة في هذه الحديقة، كيف يمكن لمواطنين هذه المدينة عيش حياتهم الرأسمالية في العمل ثم العبور عائدين لمنازلهم من منتصف هذه الحديقة الضخمة حيث تختفي تمامًا ملامح الحياة الحضرية، أنشأ بنيامين طومسون وهو عالم فيزياء بريطاني هذه الحديقة عام ١٧٨٩ لتتماشى مع حدائق انجلترا، إنها بتعبير آخر حديقة مبنيّة على الحنين، الحنين لكل ما هو مألوف في الوطن لذلك تتملك الزائر لها مشاعر ثقيلة غير مفهومة، حين اقتحمتها لأول مرة جذبني صوت النهر كان يهدر حتى لا تكاد تسمع صوتك حين تتكلم، الصوت القوي يعلن عن النهر لكنه لا يتجلى أمامك بسهولة فهناك مسافة طويلة تفصلك عنه فعليًا، إن الاستدلال على النهر بصوته فقط في هذه الغابة مغامرة بحدّ ذاتها، منذ سنتين و أنا أكرر أن مخطط رحلتي القادمة لميونخ سيشمل بالتأكيد زيارة للحديقة و الجلوس لشرب كأس شاي ساخن أمام النهر، لأسباب لا أعرف ما هي بالضبط لكنني حتى الآن لم أتمكن من رؤية النهر و لا سماع صوته مع أنني زرتها مرتين منذ أغسطس الماضي.

أحد مداخل الحديقة الانجليزية الموزعة حول المدينة

زيارتي الأخيرة قبل أيام أصابتني بإحباط حقيقي، للمرة الأولى أودّ لو أغادرها رغم أنني بالعادة أصاب بالأرق كلما هبطنا فيها خوفًا من ضياع الوقت في النوم بدل المشي لكن رحلتي هذه المرة كانت لليلتين فقط هناك، و من سوء الحظ أن يصادف هذا يوم أحد حيث تهدأ المدينة بطريقة غريبة، لا أفهم كيف يتعامل الأوروبيين عمومًا مع إجازات نهايات الاسبوع، كيف يمكن لكل شيء أن يُغلق حتى متاجر الأغذية و الصيدليات، و الأفظع من ذلك هو إغلاق الملاهي، ما الذي يفعله الألمان في إجازة نهاية الاسبوع؟ يعمل العالم بأكمله بعدد ساعات تقارب التي يعمل بها الألمان لكنهم يقضون نهايات اسبوعهم في البيوت أو مستلقين تحت ظلال الأشجار المهم ان اجازتهم غالبًا لا تشمل الفعاليات الخارجية كاللعب و التسوق، غادرت ميونخ حزينة لأول مرة، يشبه الشعور حزنك من الملل المفاجئ الذي يصيبك عندما تسمع أغنيةً اعتدت على حبها و الاستمتاع بها، ربما يكون التوقف عن سماعها الحل الوحيد في هذه الحالة، أتوق لعدم رؤية ميونخ لسنوات عديدة قادمة.

مطعم البيتزا المفضل لأنه آخر من يغلق أبوابه في هذه المدينة

صورة شخصية لحفل تخرج

الرتابة التي تصحب لحظات الاستيقاظ الأولى تغرقني في تعبيرات كثيرة جيدة للكاتبة و التدوين لكن ذلك لا يدوم سوى لثوانٍ معدودة قبل أن أمسك هاتفي و أتوه عن نفسي، اضطرابات النوم أمر حقيقي جدًا بدأت بتصديق الأمر مؤخرًا، أنام قبل منتصف الليل و أصحو لصلاة الفجر في قمة نشاطي ثم أعود للنوم فجر اليوم التالي أي بعد ٢٤ ساعة من الصحو، بصراحة أجد الأمر مخيفًا أكثر من كونه مريب.

اليوم حفل تخرجي من الجامعة بعد خمس سنوات من التوهان في الإحتمالات الهندسية، لديَّ مشاعر متضاربة بخصوص التخرج، لم أنتظر تخرجي من أي مرحلة و دومًا تجاهلت تواريخ تلك الأيام، تمامًا كما أفعل مع كل الأحداث الكبيرة في حياتي، أخطأت في تاريخ حفل تخرجي من الجامعة ثلاث مرات حتى الآن، استيقظت ثلاثة مرات لأكتشف أنني مخطئة و أعاود النوم، حفل تخرجي من الروضة كان استثنائيًا لأنه الأخير في مبنى الروضة القديم و الذي يعتبر في الحقيقة منزل شعبي في حي صغير في قرية مجاورة، طلبت مديرة الروضة من الدفعة الأولى التي تخرجت من هذه الروضة الحضور لحفل تخريجنا كنوع من الوداع النهائي للمبنى و لذكرياتهم القديمة جدًا، حضر القليل، القليل الذي بالكاد اتذكر حضوره، أختي كانت من الدفعة الأولى و لكنها كمعظم أصحابها لم تحضر لانشغالها بالجامعة، فاتتهم جميعًا النظرة الأخيرة لمرتع الطفولة، المضحك أنه بعد كل تلك الطقوس الاحتفالية الوداعية لم نكن نحن الدفعة الأخيرة التي تتخرج من المكان بل تم الإبقاء على المبنى لسنة أخرى بسبب عدم جاهزية المبنى الجديد حيث انتقلت الروضة بعد عام كامل من الطقس الوداعي.

تخرّج الروضة كان الأفضل بين كل حفلات التخرج التي تخصني، الأسوأ كان حفل التخرج من المدرسة الابتدائية، بدأت أمي بإكمال دراستها الإعدادية حين كنت في منتصف دراستي الابتدائية، انتظرت بشغف شديد يوم التخرج هذا، لم يصدر جدول امتحانات والدتي النهائية بعد فلم أخف من احتمالية أن تتخلف والدتي عن الحضور، كنت إحدى المقدمات الثلاث للحفل، ابنة خالتي كانت المقدمة الثانية، أتذكر ارتداؤنا للفستان ذاته كما يجب لبنات الخالة أن يفعلن، أخبرتني أمي قبل حفل التخرج ببضعة أيام أنها لن تستطيع الحضور، جدول امتحاناتها يتعارض مع يوم الحفل، كطفل صغير شعرت بتماسك عجيب، أتفهم أن أمي تحتاج لنيل شهادتها كما أن معلمة اللغة العربية التي أحب ستكون هناك فلا داعي للخوف، توفّي والد معلمتي قبل الحفل بأسبوع فكان محتمًّا أن لا تحضر هي الأخرى لكن لم أبد أي ردة فعل، لا مشكلة سيكون حفلًا عظيمًا حتى بغياب الجميع، أيقظتني والدتي بعد الفجر و وضعت ملابسي في يدي و أرسلتني لمنزل خالتي حيث ستهتم هي بتسريحي و ترتيبي مع ابنتها و ستذهب والدتي لامتحانها، كرهت بشدة التزيّن مع ابنة خالتي في كل المناسبات و كنت دائمًا أفتقر لأسباب صريحة تجعل هربي من هذا الموقف مقبولًا، شعري الأسود الطويل تحت قبعة التخرج و أوراق التقديم في يدي وجدتني للمرة الأولى أقف أمام جمهور من مئة شخص و يزيدون، لم أرفع عيني للجمهور لأن أمي ليست هناك، طوال الحفل التزمت برؤية اوراقي أو مراقبة العروض من خلف الكواليس، خلف المسرح توجد غرفة لتخزين الهدايا التي تخص كل طالبة حيث ستصعد والدتها لإهدائها مع شهادتها، أصبت بمسّ طفيف من الجنون حين دخلت الغرفة و تذكرت أن لا شيء من هذا كله يخصني لأنني سأتلقى شهادتي من المديرة لا من والدتي، اقترب وقت التكريم و أنا أحاول بشدة أن أمسك على قلبي، أخذت شهادتي و انسللت بعيدًا عن الحشد لأحصل على نصيبي من فقد حضورها، والدتي التي أحب، نادتني خالتي لتهديني باقة منها و أخرى من والدتي، عدت للبيت أغلقت الباب و بكيت بجنون، الجنون الحقيقي أنني أبكي مع هذه السطور، بعد سنوات في مقاعد الجامعة درست قانون حفظ الطاقة حيث ينص القانون على أن الطاقة محفوظة لا تفنى و لا تستحدث بل تتحول من شكل لآخر، آلام الطفولة أيضًا لا تشفى فقط تتحول من شكل لآخر.

درست الاعدادية و الثانوية في مدرسة واحدة لذلك كان حفل التخرج الوحيد الذي حظينا به هو في آخر أيام الثانوية العامة، بخوف شديد من فكرة الافتراق النهائي عن الرفاق كنت أحضّر لهذا الحفل، أرحت رأسي على طاولتي الدراسية في كل مرة تم فيها تهديدنا بإلغاء الحفل بسبب سلوكنا الغير منضبط، توفي جد صديقتي قبل الحفل بساعات فلم تحضر و شعرت بألم شديد من الاحتفال بدونها، في آخر سنتين في الثانوية شهدنا كأصدقاء ثمانية مراسم عزاء، الحزن ينضج القلب كما ينضج الماء المغلي بيضة طازجة، تزيدنا الأحزان قساوة، أتذكر من حفل التخرج حضن والدتي فقط، الشيء الوحيد الذي كان يهمني أن يحدث و لم أصدق أنه حدث أخيرًا.

طلبت منّا الجامعة إرسال صورنا الشخصية لوضعها في حفل التخرج الإلكتروني الذي يفترض أن يُبثّ بعد ثلاث ساعات، لم أهتم بإرسال صورتي، لطالما كرهت فكرة الصور الشخصية، أخبرت أمي بشكل عابر عن الأمر و صدمني إحباطها، قالت لماذا تحرمين نفسك هذه الفرحة، الآن أكتب كل هذه الأسطر لأشتت ذهني عن اللحظة التي يبزغ فيها اسمي بلا صورة، وديمة؟ من وديمة؟ هل تملك وجهًا؟

بعد آخر امتحان في الجامعة أغلقت حاسبي الآلي و التقطت صورة شخصية بقبعة تخرج مرمية في الدولاب أظنها تعود لإحدى أخواتي، ربما لم أشارك العالم صورتي بملابس النوم و قبعة التخرج هذه و لكنني على الأقل أملك واحدة لنفسي، هناك أغنية أريد تذكّرها في هذا اليوم، مغامرة العمر Adventure of lifetime لفرقة الروك الإنجليزية كولدبلاي، لا النسخة الأصلية بل نسخة معزوفة من فرقة عشوائية لم أجد رابط الأداء في اليوتيوب لذلك أحتفظ بهذا الرابط من موقع أزوره كلما دعت الحاجة لسماع شيء يخرجني من نفسي و يدفعني للاحساس بانتصار وهمي على كل شيء، على مغامرة العمر بأكمله مثلًا.

حساب الفنانة اليابانية صاحبة صورة التدوينة في تويتر.

ثوانٍ معدودة قبل أن ينفجر المرء بنفسه

لقد أخطأت العد في المرة السابقة لم تكن تلك هي الليلة الثالثة عشر من ليالي الأمومة بل كانت الليلة العشرين و الآن نحن في الرابعة و العشرين، بجدّية أحزنني خطئي هذا، أحزنني لأنه يشعرني أن عقلي لا يعبأ بالأيام الصعبة التي أخوضها أم أنه يفعل و يتجاهل التفكير في الأمر، هذه هي طريقته اللعينة في التعافي، يفقد الإحساس بالزمن، أذكر أنني رفضت فكرة زواج أختي و انتقالها لمنطقة بعيدة رغم أنني و يا للعجب كنت أنا من أقنعها به، تجاهلت النظر للتقويم قبل شهر كامل من الحفل، لمدة شهر كامل لم أعلم في أي يوم أنا حتى صحوت فجأة لأكتشف أن الحفل غدًا و أن الأمر حقّ و قضى الله أمرًا صار بإذنه مفعولًا.

على عكس الليالي الماضية قررت إعادة جدولي اليومي القديم و النوم مع الأطفال و الاستيقاظ قبلهم عوضًا عن النوم بعد الفجر و الاستيقاظ معهم و نحن نبكي جميعًا، كبَذل السكينة الحادة في قطعة حلوى طرية قطع صياح الصغير ذلك الحلم اللذيذ، استيقظت و لا أدري من أين أتاني ذلك الصبر العظيم حتى أنني لم أشعر بالضيق أبدًا من استيقاظه، أخبرني قلب الأم الجديد الذي أحمله في أضلعي من اربعة و عشرين ليلة أنه يبكي لذات السبب الذي أبكاه قبل أربع ليالي، توجهت لمكان نومه رفعت لحافه و ملابسه، الجلد الأحمر ذاته مرة أخرى، هذه المرة سأفعلها بهدوء، هذه المرة لن يبكي الطفل بسببي.

اخترت بسرعة أن أجعله يستمر في بكاءه المتقطع أثناء نومه ريثما أجهّز ماءً دافئًا بدل البارد الذي وضعته فيه المرة السابقة، تركت الماء يتدفق لدقائق قبل أن يصل للحرارة المناسبة، جهزت الماء الدافئ في المرضعة و أجّلت وضع الحليب ريثما انتهي من تغسيله، و المرة الوحيدة التي ركضت فيها كانت لجلب ملابسه من الطابق السفلي، عدا ذلك حلفت ان لا اركض اليوم، أيقظته وهو يبكي بتعب و ينام في منتصف بكاءه، أخذته ليغتسل و أنا أردد “لا مشكلة حبيبي ليس خطأ أحدهم لا تبكي” ينظر لي و يتوقف تدريجيًا عن البكاء، أضع مرهمًا لآلامه، ألبسه و أمسك الحليب لأضعه في المرضعة و أنا أعدّ ، واحد إثنان ثلاثة حين أصل الرقم الأخير يصفّق هو من السرير ببهجة، لم أوقف بكاءه بل جعلته يضحك أيضًا، انتصرت!

ينام الآن بجانبي بكل وداعة الأطفال تلك التي تجعلك لا تغفر لنفسك أن تفسدها أو يفسدها عليهم أحد ما، ربما يجد القارئ أن هذا أمرعاديّ أن يستيقظ وهو يبكي و تتم إعادته للنوم بكل هدوء، لكن الأمر ليس عاديًا أبدًا و أودّ من المشككين خوض التجربة ، استغرقني الأمر أربع ليالٍ لأتعافى من هلعي حين رأيت جلده يتحول للأحمر بهذه الطريقة، تدفعك يد الله بين الأقدار لتعلم أين هي حدودك الفعلية التي تستطيع احتمالها، وديمة المدللة التي تعود للمنزل في نهاية الأسبوع و تنام معظمه قبل ان تعود للسكن مرة أخرى كانت تحسب أنها ستستمر بالبكاء و الهلع في كل مرة يوقظها فيها طفل وهو يبكي، لكن وديمة فعليًا لا تبكي حتى في المرة الأولى و يسكن هلعها من المرة الثانية، في نهاية الأمر يبدو أننا نحن لسنا من نظن ، و أن صدق قول الله العظيم “لا يكلف الله نفسًا إلا وُسعها” ذلك الوسع الذي يبدو بلا نهاية أحيانًا، جرابٌ يتسع و لا يسمح الله بخرقه، أعاود دائمًا تذكّر زوربا حين قال “ثم وضع الله يده في الأمر” يضعها مباشرة قبل حدود احتمالية الإنسان، قبل أن ينخرق جِرابه بثوانٍ معدودة و لا يسمح لذلك أن يحدث و “قدرة الله فوق الشك و التهم”.

أحتاج من يخبرني دومًا أن لا أنساني

هذا الليلة الثالثة عشر من ليالي الأمهات الغريبة، كنت استمع لأغنية فايزة أحمد بإنصات و أعمل على تكملة مهامي الدراسية حين بدأ الصغير بالتقلب و الهمهمة تجاهلته كالعادة يفعل ذلك كل ليلة و يعاود النوم، انتظرته حتى يهدأ من نوبة الترفيس الجنونية و أردت إعادة الغطاء فوقه، انتبهت ان جسده احمر و يبدو انها الحساسية وضعت يدي عليه بدأ بالبكاء.

يبكي متألمًا و أنا اركض به من مكان لآخر في المنزل اجلب الادوية اوقظ أمه كي تشرح لي ما يجب فعله و أغسل جسده الغضّ بماء بارد، لازال يبكي وهو مغمض عينيه، من يستطيع مقاومة البكاء حين يُسكب عليه ماء بارد وسط نومه، استيقظ اخي و زوجته بسبب نشيجه و كنت اخاف إيقاظ بقية النائمين فجميعهم يتجهون لأعمالهم بعد الفجر، ألبسته و أنا أمسح على جسده بخوف و رقّة خشية أن أحمّله ألمًا إضافيًا لا داعي له.

أتذكر أنني تركته قبل يومين بملابس متسخة بالرمل لمدة ساعتين لأنني شعرت بالتعب جرّاء هبوط السكر و اخبرت نفسي “لندعه يلعب قليلًا و سأحممه بعدها” تحاول أختي أن تسكته و تعيده لفراشه، تبادلنا الأماكن ذهبت انا لغرفة الرضيع، هذا الآخر يبكي بشكل متقطع وهو نائم أحتضنه و أبكي معه، أشعر بالذنب اتجاه الصغير النائم في غرفتي و أودّ أن أعوّض آلامه التي سببتها بغير قصد لذلك أجلس الآن بجانبه على الفراش بعد أن خلد لنومه و أنا أتأمل وجهه الصغير و أركز في عمق تنفسه و انتظامه.

من يكمل عني واجباتي التي سأسلمها غدًا؟ لا أعلم، كيف أوقف ألام الظهر القاتلة هذه جراء الجلوس لساعات على المكتب ثم الركض المفاجئ بين الغرف و انا احمله كما لو كنت في ماراثون؟ لا اعلم أيضًا، ما أعلمه أنني خائفة و اشعر بذنب ثقيل اتجاه كل شيء و أن هذه الأيام اختبار حقيقي لقدرتي على الصمود امام شعور الذنب هذا.

أصعب من أي شي آخر هو أن تقول لنفسك في أيام تحمل هذا القدر من المسؤوليات “لقد قمت بعمل جيد” أذكر أنني قرأت رسالة انتحار المغني الكوري الذي احدثت وفاته ضجة في ٢٠١٧ و أكثر ما آلمني و أشعرني أنني سأفعل فعلته يومًا ما إن لم أتعامل مع الأمر بجدّية هي جملته هذه “إنها معجزة أنني تمكنت حتى من الوصول إلى هذا الحد، ما الذي يمكنني قوله أكثر من هذا؟ فقط قولوا لي أني عملت بجد، قولوا لي أني كنت جيدا وأني مررت بالكثير” اعتقد ان اول خطوة لتخفيف الشعور القاتل بالذنب هو أن تعترف و يعترف من حولك “أنك كنت جيدًا و أنك مررت بالكثير” اهم من كل شيء أن يعترف أحدهم بأن ألمك هذا حقيقي انك لا توهم نفسك بذلك، اقول لصديقتي يهمني ان يبكي احدهم على مآسيَّ أكثر من أن يحاول إيجاد حلول لي، استطيع التفكير في حلول كثيرة اعتقد انني اتمتع بذكاء متوسط يساعدني على ذلك لكنني لا استطيع التعاطف مع نفسي، أحتاج من يخبرني دومًا ان لا أنساني.

الصورة الدافئة هذه لمصوّر له فضل على مزاجي الهادئ هذه الأيام https://twitter.com/riki_s7_/status/1284781577369792512?s=21

لست أمًا لأحدهم

بعد منتصف الليل بساعتين تهرول يدي على لوحة مفاتيح جهازي في سباق مع موعد التسليم النهائي لواجب التصميم، أحسب أفكر أقيس أعيد الرسم أتسائل ان كنت على صواب، ان كان بقية أعضاء المجموعة يعملون هم أيضًا كي نتمكن من اللحاق بالتسليم النهائي، يصاب ظهري بالخدر من طيلة الجلوس و عيناي تشكوان ضعف ضوء الأبجورة، أفكر أن هذه حياة لا تشبهني أبدًا يقطع سكينتي صوت بكاء اتجاهله قليلًا ربما كان بكاءً عابرًا أثناء حلم لكنّه لا يتوقف، أركض أغسل مرضعته و أقف أمام غلاية الماء بانتظاره ليكون جاهزًا، صوته عالٍ أعلى من صوت الغلاية، اعود للغرفة أخبره بصوت هادئ “انا هنا، اصبر حبيبي شوي” و اقفل عائدة للغلاية لكنه لا يمهلني حتى اسكب الماء، يصرخ و يزيد توتّري حدة، أخاه الاكبر بجانبه ينام و اخشى ان يوقظه فيبكي هو الآخر، أترك كل شيء أحضنه و أغني

” محمد زين زين

و ذكره كلّش زين

مولود في ضحى الاثنين

لا اله الا الله محمد رسول الله”

تعلمت هذه التهويدة من امي حين كانت قبل ستّ سنوات تسهر بجانبي و أنا ادرس لامتحانات الثانوية و هي تهدهد اخاه الاكبر، يعيد التاريخ نفسه غير أنني هذه المرة لوحدي في السنة الاخيرة من الجامعة و مع طفلين، لست أمًا أو على الأقل بالمعنى البايولوجي لم أضع مولودي الأول بعد لكن اختي فعلت و انا من اصبحت أمًا بطريقةٍ غير مقصودة.

منذ ان عهدت أمهم إليَّ مهمة الاهتمام بهم و أنا لا أتوقف عن الركض، اركض حتى و انا نائمة أحيانًا استيقظ بإعياء فضيع لدرجة أنني أبكي حين يحين موعد استيقاظهم، احبهم لكن السباق هذا لا يتوقف، احاول ان اشغل ذهني و أنا اقوم بتجهيزهم كل صباح اغني بصوت عالٍ او فقط اتكلم بجمل مفككة، لا اجد وقتًا و جهدًا لإكمال دراستي، افكر يوميًا في التوقف لفترة مع انني اعلم ان هذا أمر طارئ و أن الحياة ستعود لعادتها القديمة بإذن الله لكن عقلي لا يصدّق تقلّب الأيام، اصبحت اسرع من ذي قبل في كل انشطتي بإمكاني حتى الاستحمام في ثلاث دقائق، و انام منذ اللحظة الاولى التي يلامس فيها رأسي اي وسادة امامي، استيقظت مرة لأجدني نائمة على ارضية الممر متوسّدة ذراعي، انام في اي مكان و على قولة الثبيتي “منزلي حيثما ألقي مفاتيحي” أينما أجد ارضًا مستوية فهذه سريري، حسبت يومًا عدد غفواتي المفاجئة فوجدتها اكثر من اربع غفوات، من ينام بهذه الطريقة الغريبة غير الامهات؟ لكنني لست أمًا مرةً اخرى انا لست أمًا لأحدهم لست إنسانًا حتى، أنا كائن يبحث عن الوسائد لينام و يفعل أشياء جانبية أخرى ليعيش.