الاكتئاب 101: الحياة في الأعماق

بعد محاولات استمرت لثلاثة أيام تقريبًا من الكتابة التراكمية لهذه التدوينة في ذهني، أثناء النوم استيقظ لأدون القليل ثم أستكمل نومي، الاستحمام، الدراسة، القراءة، ممارسة الرياضة، كنت أفكر في ما سأكتب طوال هذه المدة و كرهت أنه كان يجب عليّ نشر هذه التدوينة قبل بضعة أيام لكن ذلك لم يكن ليحدث بسبب كل الآلام المبرحة التي كنت أعاني منها في معدتي عند محاولة تذكر الأيام التي سأكتب عنها و أذكر قول مصطفى خليفة كاتب رواية القوقعة وهي رواية كتبها عن تجربته في سجن تدمر الصحرواي، حين تمّت مقابلته في أحد البرامج تحدث عن تجربة الكتابة ” إن المرء لا يستطيع الحديث عن تجربته إلا بعد الخروج و الإبتعاد عنها لفترة زمنية” و حين أفكر في المسافة بيني و بين تجربتي الآن أجدها أقلّ مما يخوّلني للحديث عنها لكن تغريدتي عن الاكتئاب ألّبت عليّ جموع المستخفّين بما عايشت مما أثار حفيظتي لأقول أنه حان الوقت لنتحدث بصوت عالٍ عن ما حدث.

أحب ضبط الحدود حين يكون عليّ التحدث عن رأيي في أمر ما للملأ كي لا أحيد و لا يحيد عن فكرتي من يسمع أو يقرأ لي، هذه السلسلة القادمة من التدوينات ليست للقادرين على زيارة طبيب نفسي و لا حتى من كان لديه صديق أو حبيب يأخذ بيده، هذه التدوينات لمن عاشوا كل ذلك لوحدهم و كان أقصى ترفهم هو أن يُسندوا رؤوسهم على أكفّهم لأن أحدًا لم يكن هناك ليوفّر كتفًا للاستناد أو يدًا للمساعدة.

في عامي الثالث عشر و بداية رحلة مراهقتي التي لم أقتنع حتى الآن أنها انتهت قرر والدي انه حان الوقت للانتقال للمنزل الجديد الذي كان يكبر حجم منزلنا القديم بأربعة أضعاف على الأقل، لكنّ ما حدث أنني انتقلت هناك لوحدي تقريبًا، حيث فرغ المنزل فجأة من جميع المقيمين، أمي كانت تكمل دراستها في المدرسة المسائية وأبي في العمل أما إخوتي و أخواتي لأزواجهم و أشغالهم و دراستهم في المدينة، ولم يبق سواي و أخواي اللّذان انشغلا خارج المنزل بمرافقة صحبهم فكنت أقضي يومي بعد المدرسة بأكمله تقريبًا لوحدي و هذا ما لم أعتد عليه قبل ذلك ،تحضرني جلستي في إحدى الليالي مع والدتي أمام نافذة تطلّ على شارع عادة ما تنطفئ مصابيحه احتجاجًا على قلة سالكيه، أسررت لها بعد أن قضيت سنة في هذا المنزل “ربما علينا العودة لمنزلنا القديم، أصبحت أترقب من المعلمات تحديد موعد لأي امتحان كي أشغل نفسي بالدراسة، أشعر بالوحدة الشديدة، أين الجميع يا أمي؟” و بقي هذا السؤال ينغّص عليّ حياتي طيلة الستة سنوات التي تلت انتقالنا، حيث قضيت وقتي في حفظ القرآن و التفتيش في اليوتيوب و القراءة غير الممنهجة، كنت أقرأ كل ما يمرّ أمام عيني و لهذا السبب وجدت المدرسة مملة جدًا، لم أكن أتعلم شيئًا جديدًا تقريبًا لأنني تعلمت كل ذلك في أوقات فراغي في السابق، بل إنني تطوعت لمساعدة اخوتي الجامعيين في بحوثهم و مشاريعهم و أنهيت عددًا لا بأس به من البحوث لأمي و إخوتي و أبناء عمومتي و بعض أصحابي في المدرسة و كانت أمتع أوقاتي هي التي أقضيها منحنية لساعات أمام شاشة الحاسب أنقل نصوصًا من الكتب و أحاول تفسيرها و تفصيلها و قد استهواني وقتها الشعر رغم كرهي له فيما سبق.

لبداية سنتي الأخيرة في المدرسة لم يكن ما أشعر به سوى حزن طفيف ناجم من وحدة حتّمتها عليّ الظروف، في بداية السنة الأخيرة كنت أحادث صديقتي في الهاتف ليلًا حين بدأت أشعر بصداع مزعج تعقبه صور لذكريات سيئة لم أكن أذكر منها شيئًا حتى موعد المكالمة هذه، أقفلت الخط سريعًا و بدأت أعارك صداعًا يفتت رأسي وسيلًا جارفًا من الذكريات التي نسيت وجودها تمامًا، كأنما قد أزاح أحدهم ستارًا غليظًا كان يحجب جزءًا مهمًا من حياتي، علمت بعد سنوات أن ما حدث معي كان يدعى “اضطراب ما بعد الصدمة” حيث ينسى الانسان بشكل تامّ الأمر السيء الذي حدث له و عودتها الفجائية كانت بسبب حديث عابر بيني و بين صديقتي، كدت أفقد عقلي من صدمة ما استعادته ذاكرتي و أذكر نومي مباشرة حين أنهت ذاكرتي عرضها المسرحي لكل ما حدث.

و بدأت رحلة استجواب الذاكرة و محاولة معرفة صحّت ما تذكرته إلى أن خََلَصْتُ في نهاية العام و قبيل التخرج إلى سؤال آخر” لقد حدث ذلك أنا متأكدة، لكن لم سمحت لذلك أن يحدث يا رب؟” في الامتحانات النهائية استجمعت ذهني و وجهت طاقة غضبي على دراستي مما أدى لنتيجة نهائية جميلة و اعتبرتها هدية من الله ليساعدني على المضيّ و النسيان مرة أخرى، في التدوينة السابقة تحدثت عن انهيار أحد أحلامي وهو التخصص الجامعي الذي كنت قد خططت لدخوله، قضيت إجازتي الصيفية ما بين المدرسة و الجامعة كأول إجازة رسمية لي مع الاكتئاب، تراجعت رغبتي في إتمام دراستي و فكرت بكل الخيارات الغبية التي يمكن اختيارها في حالتي، كانت السنة الأول في الجامعة كارثية بحقّ و أتعجب دومًا كيف لمثلي أن ينجو من ذلك!

بدأت أول يوم في دراستي الجامعية كطالبة في كلية الهندسة حتى عدت بعد نهاية يوم الاستقبال ليبلّغني والدي على الهاتف أنه تم قبولي متأخرًا في كلية الطب بالجامعة ذاتها، كانت صدمتي أكبر من قدرتي على الفرح، حين بدأت الدراسة تيقنت أن هذا عذاب آخر و ليس هدية كما تخيلت، تراجعت رغبتي في الحياة للحدّ الذي أفقدني اهتمامي بالأساسيات، الخطوات التي تفصل سريري عن دورة المياه كانت تتطلب ساعات من إقناع النفس كي توافق على أمر بديهي بسيط كالاستحمام، كنت أتناول وجبتين أو ثلاث في الأسبوع الواحد، خسرت عشرة كيلو غرامات من وزني في أول شهرين، لم أُنه كتابًا واحدًا أو فلمًا حتى، و كنت أختار بملئ إرادتي البقاء في السكن في عطلة نهاية الاسبوع رغم مكالمات أمي و إصرارها على عودتي، كنت أتحجج بالدراسة في حين أن ما كنت أفعله حقًا هو استفهام الحياة عن أسباب حدوث الأشياء، عن المعنى الحقيقي من وجودي إن كنت حزينًا لهذه الدرجة، عن ما أريده من نفسي و عن الخذلان الذي سأتسبب به للعائلة حين أخبرهم بقراري في عدم المضي لآخر هذا الطريق، كان كل شيء في فوضى تامة من غرفتي لحياتي بأسرها.

كان لي في وقتها صديق حاولت اللجوء لطلب مساعدته، أذكر أنه قال لي ذات يوم حين أسررت برغبتي في إنهاء الأمر كله و إفلات الحياة “ربما الحياة ليست للجميع” شعرت بأن خيار إخبار أحدهم كان خاطئًا، غضبت بشدة من إجابته ثم بدأت بالتساؤل عن صحّتها ثم صدّقتها أخيرًا و بدأت بالتفكير الجدّي في إنهاء الحياة التي لم تكن لي كما يقول، أتذكر أنني لم أستطع كبح جماح تفكيري في الأمر و خفت على نفسي من لحظات التهور و فقدان السيطرة التي كانت تراودني كثيرًا وقتها فاتخذت إجراءً كان هو الأذكى، فرّغت غرفتي في السكن من كل ما يمكن استعماله لإيذاء النفس، لا حبوب لا مقصات لا سكاكين لا شيفرات لا حبال لا أحزمة لا كتب لكتّاب عدميين لا زجاج يمكن تكسيره و استخدامه لقطع الأوردة، هذا الجسد لن يُمسّ و لن يتم إقحامه في معارك العقل و نعوذ بالله أن نكون من الظالمين.

ثم أتى المرض في سنتي الجامعية الثانية و قبل ميلادي التاسع عشر بعشرين يومًا ليقضى على الباقي من عزمي لعيش هذه الحياة، كنت أضحك كلما تحدثت معي والدتي عن ضرورة الذهاب للمشفى عاجلًا و أذكر غضبها من برودي في حين أنني كنت أخشى أن تُظهر التحاليل أن ما يقوله الأطباء صحيح بشأن مرضي، بعد التصريح الأول بالنتيجة النهائي من طبيبي عدت للمنزل و أغلقت الباب على نفسي و بكيت حتى اضطرت والدتي أن تعتصرني بين أحضانها لأتمكن من استعادة انفاسي و استيعاب ما أخبرني به الطبيب، أتذكر الإبرة الأولى و دهشتي من ألمها ثم فجأة انتفاخ جسدي في مواضع الحقن ثم الاختبار الأول للعطش الشديد جرّاء ارتفاع السكر و ركضي بين دورة المياه و سريري حين يفترض أن أكون قد نمت منذ وقت طويل، ألم المثانة المبرح حدّ البكاء، فقدان البصر الجزئي في الهبوط الحاد، بحثي عن الطعام في أي مكان لأنقذ نفسي، الجرعات الخاطئة، الغثيان، آلام الظهر، الاعتذار في منتصف التمرين الجماعي لأن نسبة السكر في دمي تواصل الهبوط مع كل علب العصير التي أفرغتها في جوفي، الصداع المستمر، درجاتي السيئة و عجزي عن أداء امتحاني بسبب التذبذب المفاجئ في السكر.

هذا ما كانت تبدو عليه حياتي حين بدأت الخوف من القيعان مما أقحم عليّ وحشًا جديدًا في الساحة: القلق، و لم تكن نوبات الكآبة إلا كجنات الفردوس أمام جحيم نوبات الهلع التي كانت تفقدني السيطرة على ضبط تنفّسي مما كاد يودي بحياتي، و لم أكن أعلم كالعادة بماهية ما يحدث حتى وقعت مصادفة في الانترنت لفيديو فتاة تمر بإحدى نوبات هلعها و نشرته في صفحتها على الانستقرام، أشعر أنه لا يمكنني الكتابة أكثر عن حياة أُصاب بالخوف من تذكّرها فضلًا عن الإفصاح عنها.

في التدوينة القادمة نرى كيف “وضع الله يده في الأمر”

الإعلانات

ما يمكن كتابته عند الاستيقاظ فجأة بعد منتصف الليل

قبل الشروع بالكتابة أودّ حقًا التنويه على أنه من غير المسموح لأمي بقراءة هذه التدوينة فإن لم تكن عزيزي القارئ أمي أو أحد إخوتي ممن يخططون للوشاية بي عند قلبها الطيّب فلا حرج من التقدم في القراءة و هذا التنويه ما هو الا تحسبًا للفضاعة التي قد اكتبها هنا بما أنني استيقظت فجأة بعد نوم متقطع لثلاث ساعات تخلله جرس الانذار لأكثر من مرة و كنت استيقظ و أشتم بأوقح ما يحلو لي في سرّي رغم أنني وحيدة في هذه الغرفة في السكن الجامعي لكنني أواجه مشكلة في النطق و الكتابة بمعظم الشتائم و أتمنى الا تُحلّ هذه المشكلة فهذا آخر ما يمسك نفسي الدنيئة عند حدودها، و لو كنّا نرى الموضوع بشكل محايد فلماذا لا أشتم؟ هل من حق أحدهم أن يوقظني من نومي بسبب رغبته في “تدخين” غرفته، فكرة الدخون هذه بذاتها تسبب لي الارتباك، من اقترح أساسًا أنه يحلّ للانسان حرق الاشياء و الاستمتاع برائحة احتراقها؟ من أحلّ للانسان أشياء كثيرة مربكة، أستمتع بفقرات التفكير الأهبل العميق في أشياء لا داعي لها، لا بل أنني أستمتع أكثر بتدوينها لأستخدمها في وقت لاحق كمسوّدة رسائلي لصديق البريد الوحيد.

أدخل نفسي أحيانًا في تجارب قبيحة جدًا و لا طائل من ورائها بل أنني منذ اللحظات الأولى أجزم أنني سأتأذى و لا زلت أصرّ على إكمالها بكل قلّة العقل التي أستطيع عليها و أذكر أن أحد اساتذتي أخبرني بهذا التعبير الرائع ” ما حدا قرر يفكر في هالشي الا احنا يالمهندسين قلّينا عقلنا و رحنا مش بس فكرنا فيه لا و حسبناه كمان” يضحكني تعبير قلّة العقل هذا، أن تملك عقلًا جبارًا يمكنه التفكير و تنفيذ أشياء عظيمة و تقرر الذهاب لأسخف شيء ممكن تصوّره و تنهك عقلك بالتفكير فيه ولو كنت تميل للهبالة أكثر فستقوم بتنفيذ ما فكرت فيه، ما أريد قوله هو أنني قبل يوم و نصف قررت بعد تناول جرّة فخارية مليئة بالبرياني أثناء الاستماع لأغنيتي الهندية المفضلة بأن هذه الوجبة ستكون كافية ليوم و نصف، و إلتزمت بكلّ ما أملك من قلّة عقل و إصرار سخيف على هذا القرار العشوائي مما كلّفني التغيّب عن امتحاني و السقوط عدة مرات في أوقات متفاوته و إبرة للغثيان في نهاية المطاف و التي عصرت كبدي و كدت من فرط اللوعة أن أشقّ بطني و أخرجه ولا يهمني ما يحدث بعدها و قد كنت قبلها بأيام أفكر بأنني لا أذكر تفضيلي للموت بدل التألم، كنت مقتنعة بأن التألمّ آهون من الموت لكنّ هذه الإبرة الحقيرة التي أتت بكلّ النتائج المتوقعة و غير المتوقعة علّمتني تفاهة التفكير و “يَدِّي في المَيّه”، و بالمناسبة فأنا أتخذ معظم قراراتي المصيرية فيما يخص كل شيء في حياتي تقريبًا و أنا بكاملي في المَيَّة لا يدي فقط.

giphy.gif

أذكر اللحظة التي وصلني فيها رفض كلية الطب و كنت جالسة على نهر في إحدى الغابات السويسرية و أُبرّد جسدي بمياه النهر رغم أنني كنت أعرف الخبر قبلها حين كنت في الفندق لكنني صمتّ عنه  إلى اللحظة التي توقفت فيها أمام النهر هذا، استجمعت قوّتي و تسللت لأمي و أبي المدليان رجليهما في الماء، ” اسمعوا لا تزعلوا، أنا ما انقبلت في الطب” لا أعلم ما الذي حدث بعدها حين حاولا تخفيف هول الموقف الا أن ما اذكره هو ردة فعلي المجنونة حين امسكت بملابسي ارغب في تمزيقها و القفز في النهر و أحمد الله أن أبي و إخوتي وقفوا في وجهي فهربت بين الأشجار أستفرغ نحيبي و يعلّق أخي ضاحكًا الآن ” لو أي حد يروح الغابة هذي الآن بيسمع صوت صرخات ودّوم يتردد للحين” و كاد يغشي عليّ من الضحك حين سمعت تعليقه، تعجبني الفكاهة التي يستقبل بها أشقّائي الحياة، بعد ما حدث في الغابة بيوم واحد فقط و في إحدى انحدارات قطار الموت الذي كنت قد ركبته شبه مجبرة قررت و أنا أصرخ من المتعة اللحظية للهواء و هو يمسّد وجهي بأذرعه الحانية ” بروح هندسة مدري شو أبا فيها بس خلاص قررت” و التزمت بقراري هذا حتى حين عدت لأجدني قُبلت في الطب، دخلته لفصل واحد “عن خاطر التجربة” و خرجت لأنفذ قراري الذي اتخذته في قطار الموت ذاك.

أحبّ الفخامة التي تسبب لي قشعرة في كل خلية من قلبي حين استمع لناي البرغوثي و هي تغنّي أشعر أنه الصوت الوحيد الذي بإمكانه التسبب بكل هذه الزلازل في صدري و رغم أنني أحببت لمرتين لم تفعل في قلبي كلمة أحبك كما فعلت بحة صوتها، لذلك حين استيقظت و اتخذت قرار مفاجئ كالعادة بأنني سأكتب شيئًا ما اخترت رفقتها و هي نغنّي لسيّد درويش ” أنا هويت و انتهيت” و هذه الاغنية بالذات تمزقني في كل مرة استمع لها و لا اكف عن ذلك بل أعاودها لساعات و افكر في كلماتها بكل ما أملك من صدق في قلبي و من فرط حبي لها أجدني استمتع بسماعها لأي شخص يجيد غنائها كغادة شبير و فرقة مسار إجباري بل و حتى صوت سيد درويش رغم رداءة تسجيلاته و حيرة أُذني و هي تحاول معرفة الكلمات و فصل كل التشويش الموسيقي في هذه النسخة.

لا أعلم يقينًا ما الذي أريد قوله من كل هذه السطور و لكن من لم يستشفّ شيئًا منها فليغفر أنها كُتبت بعد ما يقارب سنة من الإنقطاع عن التدوين و مسح مدونتي القديمة، فلتعتبرها عزيزي القارئ تمرينًا لأصابعي على لوحة المفاتيح و استعادة الشعور الرائع بوضع فاصلة بعد جملة مكتملة.

سيرتي في مئة عام من العزلة

 

حين قررت الكتابة بعد ثلاث ساعات من انهاء الرواية كُسرت نظارتي وبكيت وأنا أصلحها وأراها تعود لتتفتت كلما ثبّتها فوق أنفي، بكيت لأن الرغبة الملحّة للكتابة كانت أكبر مما يتحمّله الوقت للعودة إلى أرض الوطن وإصلاحها او استبدالها بأخرى، قررت أنني سأكتب حتى لو استدعى الأمر إعادة ارتداء العدسات اللاصقة التي جعلت عيني أشدّ صحاري الأرض جفافًا لا يخرج من أرضها حتى الدمع، وأكتب الآن أمام مروحة تصدر أصواتًا حزينة وتعيد تدوير هواءٍ مثقلٍ بالأسى في غرفةٍ ضيّقة هنا في يورك.

في بداية شوال انهيت دراسة الصيفي الذي لم تكلل تجربته بالنجاح المطلوب لأسباب أجهل أكثرها ولا أذكر منها حاليًا إلا الليالي التي تركني فيها القلق أهتزّ لساعات فوق سرير غير مريح وبمواجهة ضربات المكيّف التي لم تستطع أن تبرّد قلقي، وكلمات صديقتي حين نمت على سريرها ذات يوم “كنتِ تتنهدين وتصدرين أنينًا مفجعًا”، أخبرني صديق عاصر أيامي تلك أن ما حدث من مغامرات نفسية خلال شهر الصيفي هذا هو أمر يستحق التدوين لكنّ التدوين عنها سيُعرّيني وأنا أخاف البرد.

عدت للمنزل بعد شهر وأسبوع من البُعد شبه الكامل الا من زيارات خاطفة ليوم واحد أو يومين، و كمزارع عاد بعد أن رأى بستانه يحترق أمام عينه انكفأت على نفسي و امتنعت عن الخروج أُداري قلقي من العودة و التأكد من صحة ما حدث، أعدت ترتيب مكتبتي و أبقيت في غرفتي و مباشرة أمام سريري الستة و تسعون كتابًا التي لم تُقرأ بعد أن أقصيت ما دونها خارج الغرفة، واصلت تركيب مكتبي و أدخلت تلفازًا لداخل الغرفة، جهاز ألعابي، حاسبي، ثم توقفت عن التغريد جزئيًا و أغلقت عليّ الباب لشهر و بضعة أيام.

لم أكتب خلال هذا الشهر أي نصّ وحتى الرسائل البريدية كنت أرسلها كملفّ صوتي، كانت الكتابة قد تخلّت عني أو أنني أنا من فعلت، لا يهم تفسير ما حدث الآن بقدر ما يهمّ الكتاب الذي اخترت قراءته في هذه العزلة، تأملت المكتبة متسائلة عن جدوى القراءة فوجدت ماركيز كطالب مزعج يرفع يده مُلِحًّا على معلمه أن يختاره للإجابة على السؤال و كمعلم صبور وافقت طلبه و اعتزمت الاعتكاف عليه و نظرًا لحجمه و رغبتي القوية في الهروب و الانغماس في شيء ما قدّرت أن ثلاثة أيام ستكون كافية و زيادة، لكنني نسيت أخذ سحر الكتاب بعين الاعتبار.

قرأت الصفحات الأولى بدهشة، لم تكن هناك شخصية واحدة معتادة بل حتى المكان لم يكن معتادًا رغم أن القرّاء في مراجعاتهم صرّحوا أنها سيرة قرية عادية لكنني لا أعتقد بذلك، كانت قرية ماكوندو وخصوصًا في أزمانتها الأولى تذكّرني بالقرية التي ترعرعتُ فيها طفلة بين قمة الجبل ومنخفض الوادي و ذكرى الجيران الذين لم تكن لبيوتهم أبواب يمكن إغلاقها و الأغنام التي تمرّ خلف الراعي كل صباح و يهرب أحدها من القطيع متسللًا كلصّ لبيت تطلّ منه خضرة الأشجار، الدكاكين، لاعبو الكرة في ساحة القرية الذين أصبحوا آباءً الآن، حين سلك “أورليانو الأخير” أزقة ماكوندو يبكي من الحنين كنت أتفهّم حنينه جدًا فقد مررت بنفسي على القرية التي سُوِّيت بالتراب و ماتت نباتاتها بعدما جفّ واديها حزنًا على الراحلين.

هي قصة “خوسيه أركاديو بويندا” وزوجته “أرسولا” بعد أن هربا من وجع الضمير إلى أقصى مكان في الأرض وأسسا قرية ماكوندو، تَتَتَبّع الرواية حياة الزوج و زوجته ثم الأبناء وصولًا للجيل السادس من عائلة المؤسس، عشرات الشخصيات في الرواية تخرج و تختفي مع كل جيل ما كان يجعل من الصعب جدًا أن أقرأ في جلسة واحدة أكثر من ثلاثة فصول، أُحبّ شخصية ما ثم أرى كيف تتطور حياتها ثم تموت فأموت أنا و أغلق الكتاب متوجعة بعد أن أتخذ قرارًا بوقف القراءة لهذا الكاتب السفّاح الذي أهدر من الدماء ما يكفي لأن تشتم رائحتها كلما فتحت صفحة من هذا الكتاب، و أعود بعد ثلاثة أيام يشغلني فيها و أنا أمارس عزلتي الحنين المقيت لماكوندو فأقرأ بذات الشغف القديم و يتكرر الأمر مرارًا.

انتهى الشهر الذي كان يفصل الصيفي عن رحلة سفر لمدة أسبوعان و لم أُنهِ سوى النصف منها، و بما أن أول خمسة أيام من الرحلة كانت في سكوتلاند في قلعةِ قريةٍ معزولة من القرن الماضي فظننت الفرصة مناسبة للقراءة لكنني اكتشفت ان تقدّمي في قراءتها يعني أثقالًا أكبر فوق قلبي فاقتصرت على بضعة صفحات قبل النوم أتجرّعها بمرارة، انتقلت لمانشستر و فتنتني حياة المدينة -أنا التي لم تقضِ في حياتها أكثر من خمسة أيام في مدينة وعاشت تسعة عشرة عامًا بين أرياف صغيرة- فتوقفت عن القراءة ثم عدت مجددًا ولمرة أخيرة بعد وصولي يورك المدينة القرية، أربكتني طبيعتها القرويّة و حياتها المدنيّة و أحسست بربكة الأشجار التي ظنّت أنها خرجت في غابة ففوجئت بأغصانها تنحني متفادية مباني عتيقة و مارّة يتخطّفون في الساحات مدفوعين بهموم إنسان المدينة لا يردعهم غياب شمسٍ أو أمطار غزيرة.

IMG_4852
مانشستر: المدينة التي أحببت

وصلت بالأمس ليورك مشيت على قدمي لأكثر من عشرة كيلوات عبرت فيها المدينة العتيقة بأكملها، فعلت الشيء ذاته اليوم صباحًا ثم بعد قيلولة العصر و قبل أن نتحرك من أمام الفندق استأذنت الجمع و عدت راكضة للغرفة تشدّني قوى سحرية للرواية فأخذتها من فوق السرير و خرجت.

كنت حفظت المدينة بعد جولتين من المشي فعرفت أين يجب أن يكون مَوطِأ قدمي وفي أي زاوية من هذا الشارع لن يبلل الرذاذ صفحات كتابي وكي لا يعكّر صفوي المارّون المتغيّرون على الشوارع تمركزت خلف أمي بحيث تكون هي درعي و دليلي حتى أنهي الصفحات الخمسون المتبقية من الرواية.

حين أنهينا جولتنا المسائية كانت قد بقيت عشرة صفحات فقط، عشرة صفحات هي الفاصل بيني و بين أن أودّع هذه العائلة بشكل لائق، في مطعم الفندق ذو السقف الزجاجي كنت كلما أنهيت صفحة رفعت رأسي متأملة انعكاسي في الزجاج و متنهدة بكل ما أقدر عليه من طاقة بعد أن سحبت الصفحات أنفاسي و معها سكّر الدم إلى أقلّ مستوياتهما، قرأت الجملة الأخيرة، اقشعرّ جسدي و كان الطعام قد وصل، افرغت غضبي في الصحون ثم بعدها بساعة في بانيو حمام الغرفة ارتجفت مرة أخرى متذكرة أورليانو الأخير مارًّا بماكوندو الفارغة وهو يبكي.

IMG_4985

يورك، المملكة المتحدة

١٣-٨-٢٠١٨